حداداً على ضحايا العنف حداداً على ضحايا العنف

قبل سنوات، سقط نظام (صدام حسين) في العراق، الذي كان يوصف بأنه النظام القمعيّ الأعتى والأكثر وحشيّة بين أقرانه من نظم الاستبداد الأخرى في المنطقة. لكنّ سقوطه لم يكن بفعل ثورة شعبيّة أو تحرّك داخليّ وإنما كما هو معروف، بفعل القوّة العسكريّة الأمريكيّة التي احتلّت العراق عقب إسقاط ذلك النظام.
أمّا الآن، وقد هبت رياح التغيير أخيراً على البلدان العربية من داخلها، في وجه الظلم والقهر والحرمان وطلباً للحرية والكرامة والعدالة. فقد تزلزلت عروش الحكم المطلق، وعادت الشعوب لتقول كلمتها.
هرب رئيس تونس المخلوع (زين العابدين بن علي) وخُلع الرئيس المصري (حسني مبارك).. وغيرهم في ترقّب وانتظار، فالمثل الشعبي يقول: "إذا حلق جارك.. بلّل ذقنك".
وقد كثرت الصفات التي أطلقت على أولئك الحكّام الفاسدين المفسدين الذين أذاقوا شعوبهم الويلات، بعسفهم وجورهم: الطاغية، المستبدّ، الدكتاتور. وهي وإن كانت جميعها تفيد المعنى ذاته تقريباً لدى مستخدميها إلا أنّ هناك في الفكر السياسيّ بعض الفروق بينها تعود إلى تاريخ ظهور كلّ صفة من تلك الصفات وما تعنيه بدقّة. ميزة الحالة العربيّة أنّ الحكّام يجسّدون بحقّ مزيجاً كريهاً نتناً من ذلك كلّه. تجد واحدهم طاغية، مستبدّاً، ودكتاتوراً!
الطغيان، في اللغة: "طغا يطغَى بفتح الغين ويطغو طُغياناً وطُغواناً أي جاوز الحدّ". (مختار الصحاح).
وجاء في (المعجم الوسيط): "طغى طَغياً وطُغياناً: أي جاوز الحد المقبول.. الطاغية: العظيم الظلم الكثير الطُغيان. والطغيان: تجاوز الحد في الظلم".
وبحسب ما يورده الدكتور إمام عبد الفتّاح إمام في كتابه (الطاغية) فإنّ "الشاعر اليوناني أرخيلوخوس Archilochus أول من استخدم كلمة طاغية Tyrannos عندما أطلقها على الملك جيجز Gyges ملك ليديا الذي أطاح بملكها السابق واستولى على العرش" (الطاغية، تأليف: أ.د. إمام عبد الفتّاح إمام، سلسلة عالم المعرفة، مارس 1994، ص 38). والطغيان هو أقدم أشكال الحكم المطلق حيث لا قانون ولا دستور يحد من سلطة الطاغية، أهواؤه ورغباته هي القانون، وخيرات البلاد وإمكاناتها مسخّرة لتلبية نزواته وأهوائه. وقد سجّل المؤرخون أنّ بلاد اليونان القديمة شهدت في مراحل عدّة زادت عن قرن من الزمن سيطرة عدد من الطغاة على الحكم في مختلف المدن اليونانيّة، عطّلوا خلالها الحكم الديمقراطي. أطلق المؤرخون على تلك الفترة تسمية "عصر طغاة الإغريق" الذي بدأ في كورنثة سنة 650 ق.م وانتهى بطرد أبناء الطاغية بيزستراتويس من أثينا 510 ق.م.
أمّا عن الاستبداد، فنجد في (مختار الصحاح): استبدّ بكذا تفرّد به. وفي الإنكليزية فإنّ كلمة المستبدّ Despot مشتقة من اللفظ اليونانيّ Despotes الذي يعني رب الأسرة، أو سيّد المنزل، أو السيّد على عبيده.
تعدّدت استخدامات اللفظ مع الزمن ولم تقتصر على المعنى العائلي، فقد استخدمها أباطرة بيزنطة كلقب شرف يطلقوه على الابن أو الصهر عند تنصيبه حاكماً على مقاطعة ما.
ثم امتدت التسمية كما نعلم إلى عالم السياسة لتطلق على أشكال من الحكم المطلق وسمت بعض الملكيات في أوروبّة بطابعها، على اعتبار أنّ الملك يتصرّف حيال رعيّته كتصرف الأب مع أبناءه.
لا شك أنّ هذا التداخل بين الدور الأخلاقي (الأب في الأسرة)، وبين المنصب السياسي (الملك أو الحاكم) سيفضي لا محالة إلى الاستبداد، استناداً إلى واجب الطاعة المفروض على الأبناء تجاه الأب.
ونرى مع الدكتور إمام: "الواقع أن الحاكم الذي يبرّر حكمه بأبوّته للمواطنين، يعاملهم كما يعامل الأب أطفاله، على أنهم قصّر غير بالغين أو قادرين على أن يحكموا أنفسهم. ومن هنا كان من حقّه توجيههم، بل عقابهم إذا انحرفوا لأنّهم لا يعرفون مصلحتهم الحقيقيّة" (الطاغية، ص 45). يمكن من خلال هذا الطرح فهم صيغة الخطاب الشائعة في بلداننا العربيّة: "أخي المواطن، أختي المواطنة.." في تشويه وقح لمعنى (المواطنة) من حيث كونها مفهوم مدني قانوني يعبّر عن علاقة سياسيّة وحقوقيّة، أي رابطة مدنيّة بين المواطن والدولة من جهة، وبينه وبين باقي المواطنين من جهة أخرى، بما يرتّبه ذلك من حقوق وواجبات متبادلة يُفترض أنّ دستور الدولة وقوانينها تنصّ عليها وتضمنها، واستبدال ذلك كلّه بعلاقة قبل مدنيّة، علاقة طبيعيّة، رابطة دم: العائلة أو الأسرة. فيغدو المواطنون عبارة عن "أخوة وأخوات" في "أسرة الوطن"، التي كغيرها من الأسر لا بد لها من ربّ أسرة، وهو بلا شكّ الحاكم: القائد أو الملك أو الرئيس أو الأمير أو السلطان أو غيره من تنويعات الألقاب التي تطلق على سادة النظم العربية المختلفة.
وبالطبع لا تجوز معارضته فهو "أب للجميع" و"كبير العائلة" وطاعته من طاعة الله بصفته الأبوية تلك، وبالتالي مخالفته والخروج عن طاعته أمر غير مقبول.
وقد ميّز البعض بين الطاغية والمستبدّ، فالأول هو بالضرورة ظالم يرتكب المعاصي ويتجاوز كل الحدود، وعند أرسطو الطاغية من اغتصب سلطة ليست من حقّه. في حين أنّ المستبدّ وإن انفرد برأيه واستبدّ بالحكم إلا أنّ من المحتمل أنّه يريد الخير أو أن يكون متنوّراً نوعاً ما أو يعمل لخير الناس، وصولاً إلى (نكتة) "المستبدّ العادل" وهي جميعاً أفكار أثبتت التجارب زيفها وعدم إمكانيّة الرهان عليها.
اللفظة الأكثر شيوعاً في الأدبيات السياسيّة المعاصرة لصاحب السلطة المطلقة: الدكتاتور Dictator. وأصل المصطلح روماني، حيث استخدم في عهد الجمهورية في روما كمنصب مؤقت لحاكم ذو صلاحيّات استثنائية يتمّ اختياره من خلال ترشيحه من قبل القناصل وحصوله على موافقة مجلس الشيوخ، لما لذلك المنصب من خطورة، نظراً لخضوع الدولة لسلطة الدكتاتور طيلة فترة حكمه، والتي لا تتجاوز ستّة أشهر أو سنة على الأكثر. هذا الإجراء كان يُتّخذ حصراً خلال فترات الأزمات والكوارث الكبرى ولفترة محدودة على أن تعود الأمور إلى طبيعتها في نهاية الأزمة. حيث يُعزل الدكتاتور من منصبه بعدها لانتهاء مهمّته أو زوال أسبابها، وتُستأنف الحياة في المدينة.
من الواضح أنّها جذر ما يُعرف في أيّامنا هذه "بإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفيّة" مع فارق أنّ الأنظمة العربيّة تستخدمها كوسيلة لقمع معارضيها، وتحوّلها من استثناء إلى قاعدة، تمتدّ لعقود طويلة. أجيال تولد وتقضي عمرها وتموت في ظل "حالة الطوارئ" المؤبّدة. حتّى الإجراءات الشكليّة من حيث عرضها على المجالس التشريعيّة لا تُحترم. وتخترق باسمها دساتير هي بالأصل مفصّلة على مقاس الأنظمة!
إنّ القدمين اللتين يسير عليهما الحكم المطلق في العصور الحديثة هما العقيدة السيّاسيّة (الأيديولوجية) والرعب أو الإرهاب. حيث تمثّل الأيديولوجيا هويّته وتوزيع الرعب والقمع يظل قاعدته المادية.
في أنظمة كهذه ليست اللاعقلانيّة استثناءً بل هي القاعدة. فالحاكم يجب أن يطاع ليس لأنّه شرعيّ أو لكونه الأفضل بل فقط لأنّه الحاكم. ولأنّه الحاكم فهو دائماً على حقّ، وما على الشعب سوى التصفيق والتهليل للسلوك ونقيضه معاً، طالما صدرا عن (سيادة أو فخامة، أو جلالة، أو..) الحاكم المقدّس! على رأي الكواكبي "ما من مستبد سياسيّ إلا ويتخذ لنفسه صفة قدسيّة يشارك بها الله!".
في الوقت الذي يمارس هو وأركان نظامه ما يسمّى في علم السياسة (الكليبتوقراطية): أي "استنزاف موارد البلاد وسلب خيراتها على دفعات من قبل الدكتاتور وأعوانه". وهذه من أهمّ سمات نظم الاستبداد والديكتاتوريّة. سمة أخرى بارزة تميّز تلك النظم أنّها حتّى وهي في طور الانحطاط والسقوط تبقى خارج الحسابات العقلانية، ولعلّ أسطع الأمثلة على ذلك الكيفيّة التي تعامل فيها نظام مبارك في مصر، وقبله بن علي في تونس، مع الثورة الشعبيّة ومطالب المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام ورحيل الديكتاتور. وكأنّهما يتمثّلان عبارة حنّة أرنت الشهيرة: "في النظم الديكتاتورية الأمن مستتب حتى الربع ساعة الأخيرة".
لكن ما سلف لا يعني أنّ كلّ سلطة هي استبداد لا محالة. حيث يجب التفريق بين السلطة والقوة، وبحسب جاك ماريتان "فالسلطة والقوة أمران مختلفان: القوة هي التي بواسطتها تستطيع أن تجبر الآخرين على طاعتك، في حين أن السلطة هي الحق في أن توجه الآخرين أو أن تأمرهم بالاستماع إليك وطاعتك. والسلطة تتطلب قوة، غير أن القوة بلا سلطة ظلم واستبداد، وهكذا فإن السلطة تعني الحق" (جاك ماريتان، الفرد والدولة، ترجمة عبد الله أمين، مكتبة الحياة، بيروت 1962، ص146). وهو ما خلص إليه الفقيه الفرنسي دي فرجيه في كتابه الديكتاتورية: "الدكتاتورية ليست إلا مرضاً من أمراض السلطة، وليست ظاهرة طبيعية".
لذا فالأمل كبير بأن تضحيات الشباب لن تضيع سدىً، وستمهّد الطريق للتأسيس لمفهوم جديد للسلطة في البلدان العربيّة يقوم على شرعيّة الديمقراطيّة والتداول السلمي، والحقوق المتساوية للجميع.









علِّق